جمبري بيجار : بشاعة التعذيب الذي كان يطال الجزائريين

159

جمبري بيجار هي طريقة تعذيب و اعدام ابتكرها الجنرال الفرنسي بيجار خلال “معركة مدينة الجزائر ” سنة 1957، وراح ضحيتها اكثر من 8000 من سكان العاصمة الجزائرية .

و استنادا على ما جاء في مذكرات الجنرال الفرنسي بول أوساريس أشارت إلى أن ثلاثة آلاف من المفقودين قد اعدمو بما يسمى بطريقة جمبري بيجار (les crevettes Bigeard) .

برز تعبير “جمبري بيجار” عقب تدخل المظليين الفرنسيين بقيادة الجنرال ماسو، لكسر إضراب الثمانية أيام الذي دعت إليه جبهة التحرير الوطني بين 28 جانفي و4 فيفري 1957. ولجأ هؤلاء المظليون لاستعمال وسائل قمعية رهيبة، وقاموا بحملات اعتقال واسعة في أوساط سكان مدينة القصبة، وبطريقة عشوائية، بغية تكسير النظام الثوري والتعرف على قادة الثورة، والعثور على مخابئ الأسلحة وأماكن صنع القنابل.

وتميزت تلك المرحلة باتخاذ الحكومة الفرنسية، عبر الحاكم العام “روبير لاكوست”، قرار منح الجيش الفرنسي مطلق الصلاحيات لوضع حد للعمليات الفدائية التي كان يقوم بها فدائيو ياسف سعدي، فانتشر زهاء عشرة آلاف من المظليين الملقبين بـ”الفهود” بسبب بزاتهم المرقطة، وشنوا حملات اعتقال واسعة، ونقلوا آلاف الجزائريين إلى مراكز للفرز في بوزريعة وبني مسوس وفيلا سوزيني، وقاموا بإعدامات من دون محاكمة، أشهرها إعدام العربي بن مهيدي في فيفري 1957، والمحامي علي بومنجل في شهر مارس من نفس العام، مثلما اعترف بول أوساريس في مذكراته. وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد اتخذ قرار نزع وسام الشرف من أوساريس بعد الجرائم الفظيعة التي اقترفها في حق الجزائريين، منذ أن شغل منصب ضابط مكلف بالاستخبار في الشمال القسنطيني سنة 1955. وتمت محاكمة أوساريس بتهمة “تمجيد استعمال العنف والتواطؤ في كتابته”، وليس بتهمة “اللجوء إليه”.

و تشير عدة مصادر تاريخية فرنسية إلى أن عملية التخلص من جثث هؤلاء المعتقلين بعد إعدامهم دون أي محاكمات كانت تتم بواسطة رميها في الجبال المجاورة للجزائر العاصمة، لكن بعد وقت قصير تم العثور على بعضها، ما دفع القيادة العسكرية إلى التفكير في إيجاد طريقة أخرى للتخلص من تلك الجثث، فجاء خيار نقلها عبر المروحيات إلى عرض البحر لرميها هناك، وبعد أيام كانت الأمواج تعيدها إلى الشاطئ، وهنا ظهرت استعارة “جمبري بيجار”.  ويروي الجنرال “بول أوساريس” في مذكراته أنه هو من اقترح على الجنرال ماسو ربط هؤلاء المعتقلين بعد تعذيبهم إلى كتلة من الإسمنت والإلقاء بهم في عرض البحر، حتى تظل جثثهم مختفية ولن تظهر مجددا مثلما كان يحدث في السابق.

وبينما حرص “بول تيتغن”، أمين عام الشرطة الفرنسية على مستوى العاصمة، من 1954 إلى غاية سنة 1957، على تحذير مظليي  الجنرال ماسو من القيام بأي تجاوزات، مؤكدا على ضرورة سلامتهم من أجل محاكمتهم، لم يكترث الرائد “بول أوساريس” بذلك، فكان يتفنن في التعذيب والتخلص من الجثث برميها في عرض البحر. وكتب في مذكراته بكل برودة دم: “لا يمكن إطلاق سراح شخص بعد أن تعرض للتعذيب”، في إشارة منه إلى بشاعة التعذيب الذي كان يطال الجزائريين بعد إلقاء القبض عليهم. وقد بلغ عدد هؤلاء المفقودين خلال معركة الجزائر لوحدها ثلاثة آلاف وتسعمائة وأربعة وتسعين مفقودا حسب “ايف كوريير”، وهو العدد الذي كشف عنه “بول تيتغن” الذي عارض ممارسات الجنرال ماسو، وقدم استقالته من منصبه للحاكم العام “روبير لاكوست” بتاريخ 29 مارس 1957، وكان بمثابة ثاني شخصية مهمة تستقيل من منصبها احتجاجا على عملية القمع والجرائم التي كانت ترتكب في حق الفدائيين الجزائريين، بعد الجنرال “باري دو لابورديير”.

وأبدى “بول تيتغن” في رسالة الاستقالة التي نشرها “ايف كوريير” لأول مرة في الجزء الثاني من كتابه “حرب الجزائر”، امتعاضه من ممارسات ماسو وعقدائه، في حين لم يتمكن الحاكم العام “روبير لاكوست” من فعل أي شيء لوضع حد لتلك التجاوزات، بعد أن أعطى “ورقة بيضاء” للجنرال ماسو لقمع الثورة في الجزائر العاصمة.

حتى وقت قريب عثرالبحارة و الصيادين الجزائريين على عدد من هذه القوالب الإسمنتية وبداخلها آثار أقدام في المياه الضحلة من البحر المتوسط.

80%
Awesome
  • Design

Leave A Reply