fbpx

أوهام الحداثة..! (اللاّمساواة في القانون التّونسيّ أنموذجا)

65

1- في أنّ التّلازم بين الحقوق والواجبات هو ميزان العدل:

لا توجد حريّات في المطلق.. وجميعنا، نتذكّر تلك الجملة المفتاح الّتي ردّدناها مرارا، في الطّور الإعدادي من الدّراسة؛ فكانت شعارنا المرفوع في فضّ خلافاتنا الطفوليّة (تنتهي حرّيتك، عندما تبتدئ حريّة غيرك).. أما الحقوق، فمقترنة اقترانا تامّا بالوجبات اقتران الوجه بالقفا.. فلا معنى للحديث عن الحقّ بمعزل عن الواجب، إذ إنّ حقي هو واجبُكَ تجاهي. وواجبي تجاهك، هو حقّك أنت..

إنّ أيّ نوع من المعالجة القانونيّة لطرف دون آخر، خارج هذه الثّنائيّة، يعمّق اختلال التّوازن بينهما ويربكه ارباكا شديدا.. ومن ثمّة، فإن التّعاطي السّليم مع مسألة المساواة في الإرث بين الجنسين، على سبيل المثال لا الحصر، باعتبارها حقّا، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار تحقيق المساواة التّامة في الإنفاق الأسريّ من جهة كونه واجبا أيضا (وليس مجرّد مساهمة مبهمة ومشروطة أيضا، كما يشير إلى ذلك الفصل 23 من م.أ.ش). وإنّ لم يتحقّق ذلك، فعلينا البقاء فى المنظومة الفقهيّة الإسلاميّة بتوازناتها الربّانيّة، بل العودة إلى ما غُيّب منها، عمدا، ذلك أنّ المشي بقدمين مختلفتين مفضٍ بالضّرورة إلى العرج، وآيل لا محالة إلى السّقوط..

2- تهافت منطق الحجاج وتناقضات الخطاب الحداثويّ، في تعاطيه مع مسألة المرأة:

نتحدّث عن مسألة، لأنّ الأصل فيها أن تكون مساءلة للفكر ومحاورة له.. بيد أنّ تجار “حقوق المرأة وحريّاتها” انحرفوا بها، وجعلوا منها “قضيّة”.. ويتّضح لنا أنّ الهدف من هذا المسار الحداثويّ المسموم، هو تكريس اللاّمساواة بين الجنسين، فيما هو يدّعي عكس ذلك، متّخذا من الإغراء سبيلا.. ولا عجب، فلأوهام الحداثة فتنة على الضعفاء لا تردّ.. والحقّ، أنّ اللاّمساواة حاصلةٌ، واقعا وممارسةً.. فتناقضات القانون في تعاطيه مع قضايا الأحوال الشخصيّة صريحة، لا تخفى على لبيب.. فالقانون التّونسيّ، على سبيل المثال، إسلاميّ الوجدان داعشيّ العقاب، عندما يتعلّق الأمر بواجبات الرّجل المقدّسة تجاه المرأة، زوجةً وابنةً وأمًّا.. ولا يجد الحداثيّون أنفسُهم، من حرج، في هذا السياق، في استدعاء عبارات من المدوّنة الفقهيّة معروفة على غرار “حقوق المرأة الشّرعيّة”.. لكنّه، أي القانون التّونسيّ، على النّقيض من ذلك، علمانيّ الهوى حداثويّ التّوجّه، في ما يخصّ واجبات المرأة تجاه الرّجل زوجا وأبا.. وإنّه لَعناق غريب الشّأن بين القانون الوضعيّ والشّرع الإلهيّ، عناق لا نجد له شبيها عندما يتعلّق الأمر بوجبات المرأة تجاه الرّجل؛ وإنّما هو النّفور التّامّ بين ما يطالبها به الشّرع من ناحية، وما يلزمها به القانون من ناحية أخرى، إن كانت المرأة ملزمةً أصلا بشيء قانونا..! إنّ الكيل بمكيالين لا يمكن أن يؤسّس لعدالة إنسانيّة حقيقيّة، ولا يُرجى منه استقرار مجتمعيّ دائم، وإنّما هو مفضٍ إلى صراعات أسريّة.. والأسرة نواة المجتمع الرئيسة، وعنوان تماسكه؛ فمتى داخلها الصّدام إنهار بنيان المجتمع المرصوص، ودبّ في هيكله السّوس.. وليس كانفراط التّلازم بين الحقوق والواجبات، داخلَ فضاء الأسرّة بعامّة، وبين الزوجين على وجه خاصّ، سببا لارتكاب المظالم في أروقة المحاكم.. والظلم، كما يقول صاحب المقدّمة، مؤذن بخراب العمران..

3- في دوافع تكريس اللاّمساواة وسياقاتها السّياسيّة والمجتمعيّة:

إنّ اللّعب المحموم بوضع المرأة في العالم العربيّ، منذ عقود، ولا سيّما في تونس، راهنا، يتنزّل في سياق معارك سياسيّة وحسابات حزبيّة اقتضتها المرحلة.. وليس توظيف مسالة المرأة وتحويلها إلى قضية مصيريّة لربح معركة التمدّن المزعومة، سوى غطاء لأهداف أخرى، تتمحور في مجملها حول تفتيت بنية المجتمع، كما عرفها التّونسيّون منذ قرون، وتكريس بنية بديلة قائمة على التشظّي والتفككّ والفردانيّة.. وهي، بلا شكّ، تنبئ بتحوّلات مجتمعيّة عاصفة؛ وتنذر بظهور أشكال من العلاقات مغايرة لما اعتاد عليه المجتمع، يسهل معها تطويعه فكريّا واقتصاديّا وسياسيّا.. والواضح، أنّ هذا المسار السّياسيّ يلّبي الأهداف السّياسيّة الداخليّة لأطراف معينة؛ ويستجيب في الآن نفسه لضغوطات الخارج، لتكريس نمط فردانيّ غريب السّمات، تحت شعار برّاق الصّفات “الحقوق والحريّات الفرديّة”..

مقال رأي

☆ المكّي الهمامي ☆

(شاعر وباحث جامعيّ ومهتمّ بمدوّنة الأحوال الشّخصيّة التّونسيّة)

80%
Awesome
  • Design

Leave A Reply